Behind the Mask: Real StoriesShared by JOE

بين نارين: قصة عقل يرفض الاستسلام وصوت يخشى الخروج

بقلم: لاديني متخفٍ وُلدتُ في بيئةٍ لا تقبل اللون الرمادي؛ أب متشدد، وعائلة تعيش خلف قضبان التحفظ. تنقلتُ في نشأتي بين ثلاث دول، وهذا الشتات كان هو "منقذي" الأول. فقد علمتني الغربة ألا أتعصب، وصنعت مني شخصية ترى الإنسان قبل المعتقد. كنتُ أغضب في داخلي من كل قيد، لكنني تعلمتُ باكراً فن الصمت؛ كنتُ أعلم يوماً بعد يوم أن تساؤلاتي هي "جرم" لا أضمن سلامتي الشخصية إذا نطق به لسان المواجهة الكبرى ​جاءت اللحظة التي لم أستطع بعدها العودة للوراء. رأيت فيديوهات تنقد الدين، وأصبت بصدمة زلزلت كياني. وجدت نفسي بين نارين: إما أن أكون صريحاً مع مبادئي وأخلاقي الشخصية، وإما أن أتبع الدين. خياران لا ثالث لهما. أتذكر جيداً أنني قضيت شهراً كاملاً في هذا الصراع، كان ذلك في رمضان واستمر لما بعده، حتى قررت الرحيل عن هذا القيد. في البداية شعرت بتسرع، لكن في كل مرة كان يعترضني فيها نص تراثي أو يخرج شيخ بفتوى جديدة، كنت أزداد ثقة بأنني لم أتسرع قط. ​الحقيقة العارية ​كنت أشاهد الجماعات المتطرفة في التلفاز وأقول في نفسي: "هذا ليس من الدين"، لكن الصدمة الكبرى كانت حين اكتشفت أن أفعالهم هي أصل الدين وجوهره. لقد كانت أخلاقي ترفض ما يشرعنه النص، وهنا بدأت ميولي الإلحادية تظهر حتى وأنا ما زلت أدعي الإسلام. ​رعب الطفولة و"الإرهاب الصوتي" ​حتى اليوم، لا أزال أعاني من ندوب الماضي. لا زلت أتذكر كيف كانوا يجبرونني كطفل على مشاهدة فيديوهات "عذاب القبر" وأهوال القيامة، تصاحبها تلك الأناشيد الإسلامية المقبضة. حتى اليوم، وبكل وعيي وتحرري، أشعر برهبة لا إرادية عندما أسمع تلك الألحان.. إنه الخوف الذي غرسوه في عروقي قبل أن أتعلم الكلام. ​نفاق النجاة: كيف أعيش غريباً؟ ​أصعب ما أواجهه هو أنني أعيش "تمثيلية" يومية. لقد تعرضت لمحاولات تشكيك في إيماني (الذي أدعيه فقط)، واضطررت للحلف لهم كذباً واستخدام سلاح "التكفير" لتخويفهم ومنعهم من التدقيق في أمري. إنه لأمر مرهق أن تعيش في سكن واحد مع ناس تحبهم، لكنك تعلم يقيناً أنهم قد يؤذونك إذا علموا ما يدور في حقيقة عقلك. أهلي يحبون الأجوبة السريعة والجاهزة، وأنا شخص لا يقتنع بسهولة، يحتاج للسؤال والتدقيق.. لذا اخترت أن أحبس أسئلتي في صدري، لأحافظ على رأسي فوق كتفي. أنا اليوم لاديني متخفٍ، أمارس طقوسهم بجسدي بينما عقلي يطير في فضاءات أخرى. التخفي ليس ضعفاً، بل هو الضريبة التي ندفعها لننجو بعقولنا في عالم يرى التفكير جريمه. المنظور النفسي ​رأي علم النفس: سجن "الذات المزيفة" وصدمة الطفولة ​ما يعيشه صاحب هذه القصة يُصنف في علم النفس تحت مسمى "الذات المزيفة" (The False Self)، وهي حالة يضطر فيها الفرد لارتداء قناع اجتماعي وديني مناقض لقناعاته هرباً من النبذ أو الأذى الجسدي. ​الإرهاق الإدراكي: العيش في "نفاق النجاة" يستهلك طاقة ذهنية هائلة؛ لأن العقل يظل في حالة "استنفار" دائم (Fight or Flight) خوفاً من كشف أمره، مما قد يؤدي لاحقاً للقلق المزمن. ​الرهبة من الأناشيد: ما يشعر به تجاه الأناشيد هو "استجابة شرطية" (Conditioned Response) ناتجة عن صدمة عاطفية في الطفولة. فربط الموسيقى بصور العذاب والترهيب يخلق جرحاً في الجهاز العصبي يظل ينبض بالخوف حتى بعد اقتناع العقل ببطلان الأسطورة. كلمه من Lava إلى صديقنا الشجاع.. أود أن أقول لك أمام الجميع: أنا فخورة بك. فخورة لأنك لم تسمح لغسيل الأدمغة وسنوات الترهيب أن تكسر بوصلتك الأخلاقية الفطرية. إن قدرتك على التمييز بين 'الدين' وبين 'الأخلاق الإنسانية' وأنت في قلب بيئة متشددة هي بطولة حقيقية. ​أعلم كم هو متعب أن تسكن مع أشخاص قد يتحول حبهم إلى أذى إذا عرفوا حقيقتك، لكن تذكر أنك بوعيك هذا قد تحررت بالفعل، والقيد الذي يطوق جسدك الآن هو قيد مؤقت، أما عقلك فقد حلق بعيداً عنهم منذ زمن. شكراً لأنك شاركتنا هذا الجزء الحميم والمؤلم من رحلتك.❤️